محمد باقر الملكي الميانجي

15

مناهج البيان في تفسير القرآن

نظيرة الآية قوله تعالى : « أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها . رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها » . ( النازعات / 27 و 28 ) والظّاهر في قوله تعالى : « أَنْتُمْ » أنّ المراد منه أهل الأرض ولعلّ الأرض أيضا . فالتفاضل بين خلق أهل الأرض وبين خلق السّماء . وصريح الآية الكريمة أنّ بناء السّماء وخلقتها أشدّ من خلق أهل الأرض . وبيّن - سبحانه وتعالى - ذلك بقوله : « رَفَعَ سَمْكَها » ؛ أي : رفع سقف السماء على قدر ما شاء اللّه وأراد بالتقدير العلميّ العمديّ . وقوله تعالى : « فَسَوَّاها » ؛ أي : استكملها واستتمّها بما يليق بشأن هذا البناء من حيث حسنه وعظمته . وسيجيء تفسير « سوّى » بالمعنى الّذي ذكرناه في قوله تعالى : « الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى » ( الأعلى / 2 ) وقوله تعالى : « وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها » . ( الشمس / 7 ) فهذه الآية الكريمة مسوقة لبيان عظمة هذا الخلق العجيب وإتقانه وجودة صنعه وإحكام نظمه . فجعل فيها آيات بيّنة دالة على سعة علمه وقدرته تعالى ، حيث جعل في هذه السماوات نجوما كثيرة لا يقدر أحد على إحصائها إلّا اللّه - سبحانه - وجعلها مع كبر أجسامها وبعد فواصلها مترتّب بعضها ببعض في كلّ واحد وواحد في شؤونها على نظم معلوم ومقدّر عنده تعالى تسير في أطباق هذه السماء خاضعة لأمره ومستكينة لعظمته . فالتعرّض لتفصيل هذه الأسرار وموقع هذه النجوم ومناسبة بعضها ببعض وارتباطاتها خارج عن وسعنا ومقدورنا . ومن العجيب ما ذكره في المجمع 10 / 434 في كلام له إلى أن قال : خاطب اللّه عقيب ذلك منكري البعث فقال : « أأنتم » أيّها المشركون المنكرون للبعث « أشدّ خلقا أم السّماء » ؟ يعني : أخلقكم بعد الموت أشدّ عندكم وفي تقدير كم ، أم السماء ؟ ! وهما في قدرة اللّه واحد . أقول : وأنت ترى أنّ الآيات المباركة من قوله تعالى : « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى » إلى آخره ، ليس فيها ذكر عن البعث وإنكاره والمنكرين له . قوله تعالى : « وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ( 13 ) » .